علم الدين السخاوي

705

جمال القرّاء وكمال الإقراء

وليست آية السيف والأمر بالقتال معارضا لما في هذه الآية . ومعنى ( لست منهم في شيء ) : أي من السؤال عن تفرقتهم ، ومعنى تفرقة الدين : اختلافهم فيه . وقيل : إنّما أمرهم في المجازاة إلى اللّه عزّ وجلّ ، فعلى هذا هي محكمة . وقيل : إنّما هو خبر من اللّه عزّ وجلّ لنبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عمن يحدث في دينه من بعده من « 1 » أمته ، أو يكفر « 2 » . وقد جعلوا آية السيف ناسخة لمائة وأربع وعشرين آية « 3 » ، وليس ذلك عن يقين منهم ، وإنما يظنون إذا سمعوا أمر اللّه سبحانه لنبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ( وللمؤمنين ) « 4 » بالصبر وترك الاستعجال ظنّوا أن ذلك منسوخا بآية القتال ، وإنما يكون منسوخا بآية القتال النهي عن القتال ، وإنما كان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - يشكو إلى اللّه ما يلاقيه من أذى المشركين ، فيأمره بالصبر ، ويعده بالنصر ، ويقص عليه أنباء الرسل ، وما صبروا عليه من الأذى في ذات اللّه عزّ وجلّ ، ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) « 5 » ، ولم ينسخ بآية السيف شيء من ذلك ، ولا يحل أن يقال بالظن هذا ناسخ لكذا ، ولا هذا منسوخ بكذا « 6 » ، ولو كان هذا الناسخ والمنسوخ مقطوعا به ، لم يقع فيه اختلاف ، كيف ؟ وهذا يقول في الآية : منسوخة ، ويقول الآخر : بل هي محكمة ! .

--> ( 1 ) في د وظ : في أمته . ( 2 ) قال الإمام الطبري - بعد أن حكى الأقوال في هذه الآية - : « والصواب من القول في ذلك أن يقال : « إن قوله : لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إعلام من اللّه نبيه محمدا - صلّى اللّه عليه وسلّم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء ، ومن الأحزاب من مشركي قومه ، ومن اليهود والنصارى ، وليس في إعلامه ذلك ما يوجب أن يكون نهاه عن قتالهم ، لأنه غير محال أن يقال في الكلام : لست من دين اليهود والنصارى في شيء فقاتلهم ، فإنّ أمرهم إلى اللّه في أن يتفضل على من شاء منهم فيتوب عليه ، ويهلك من أراد إهلاكه منهم كافرا ، فيقبض روحه ، أو يقتله بيدك على كفره ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مقدمهم عليه . . . ولم يكن في الآية دليل واضح على أنها منسوخة . . . أه . جامع البيان 8 / 106 ، وراجع الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 178 - 179 . ( 3 ) انظر : الناسخ والمنسوخ لابن حزم ص 12 ، وابن سلامة ص 169 ، 184 ، والإتقان 3 / 69 ، وقلائد المرجان ص 116 . وقد سردها ابن حزم مبتدئا بسورة البقرة ومنتهيا بسورة « الكافرون » . ( 4 ) كلمة ( وللمؤمنين ) سقطت من الأصل . وفي د وظ : « والمؤمنين » . ( 5 ) هود : ( 120 ) . ( 6 ) وقعت العبارة مضطربة في ت .